فخر الدين الرازي

35

تفسير الرازي

كانوا يَظلمون ) واعلم أن هذه الألفاظ متقاربة ولا منافاة بينها البتة ، ويمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة . أما الأول : وهو أنه قال في سورة البقرة : * ( ادخلوا هذه القرية ) * وقال ههنا : * ( اسكنوا ) * فالفرق أنه لا بد من دخول القرية أولاً ، ثم سكونها ثانياً . وأما الثاني : فهو أنه تعالى قال في البقرة : * ( ادخلوا هذه القرية فكلوا ) * بالفاء . وقال ههنا : * ( اسكنوا هذه القرية وكلوا ) * بالواو والفرق أن الدخول حالة مخصوصة ، كما يوجد بعضها ينعدم . فإنه إنما يكون داخلاً في أول دخوله ، وأما ما بعد ذلك فيكون سكوناً لا دخولاً . إذا ثبت هذا فنقول : الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار . فلا جرم يحسن ذكر فاء التعقيب بعده ، فلهذا قال : * ( ادخلوا هذه القرية ) * وأما السكون فحالة مستمرة باقية . فيكون الأكل حاصلاً معه لا عقيبه فظهر الفرق . وأما الثالث : وهو أنه ذكر في سورة البقرة * ( رغداً ) * وما ذكره هنا فالفرق الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل وأتم ، ولما كان ذلك الأكل ألذ لا جرم ذكر فيه قوله : * ( رغداً ) * وأما الأكل حال سكون القرية ، فالظاهر أنه لا يكون في محل الحاجة الشديدة ما لم تكن اللذة فيه متكاملة ، فلا جرم ترك قوله : * ( رغداً ) * فيه . وأما الرابع : وهو قوله في سورة البقرة : * ( وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة ) * وفي سورة الأعراف على العكس منه ، فالمراد التنبيه على أنه يحسن تقديم كل واحد من هذين الذكرين على الآخر ، إلا أنه لما كان المقصود منهما تعظيم الله تعالى ، وإظهار الخضوع والخشوع لم يتفاوت الحال بحسب التقديم والتأخير . وأما الخامس : وهو أنه قال في سورة البقرة : * ( خطاياكم ) * وقال ههنا : * ( خطيئاتكم ) * فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة ، فهي مغفورة عند الإتيان بهذا الدعاء والتضرع . وأما السادس : وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة : * ( وسنزيد ) * بالواو وههنا حذف الواو فالفائدة في حذف الواو أنه استئناف ، والتقدير : كان قائلاً قال : وماذا حصل بعد الغفران ؟ فقيل له * ( سنزيد المحسنين ) * . وأما السابع : وهو الفرق بين قوله : * ( أنزلنا ) * وبين قوله : * ( أرسلنا ) * فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة ، والإرسال يشعر بها ، فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب القليل ، ثم جعله كثيراً ، وهو نظير ما ذكرناه في الفرق بين قوله : * ( فانبجست ) * وبين قوله : * ( فانفجرت ) * .